زاد الأئمة : الإصدار (34) لـ خطبة الجمعة القادمة : قيمة الإحترام
الخطبة الثانية بعنوان التبرع بالدم

زاد الأئمة : وزارة الأوقاف تعلن رسميا عن زاد الأئمة والخطباء.. الدليل الإرشادي الإصدار (34) لـ خطبة الجمعة القادمة : قيمة الإحترام بتاريخ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ ٠٩-٠١-٢٠٢٦م
ننفرد بنشر زاد الأئمة والخطباء.. الدليل الإرشادي لخطب الجمعة القادمة : قِيمَةُ الإحترام ، بصيغة WORD
ننشر زاد الأئمة والخطباء.. الدليل الإرشادي لخطب الجمعة القادمة : قِيمَةُ الإحترام، بصيغة pdf
الإصدار (34) من سلسلة ” زاد الأئمة والخطباء: الدليل الإرشادي لخطب الجمعة”
استمراراً لما انتهجته وزارة الأوقاف مؤخراً من التيسير على السادة الأئمة والخطباء ودعماً لنماء زادهم العلمي والفكري والمعرفي نقدم هذا الإصدار من تلك السلسلة التي هي عبارة عن بحث موسع يجمع الشواهد والمعاني التي يمكن للخطيب أن يديم النظر فيها طوال الأسبوع، لتعينه على الإعداد الجيد لخطبته، وإتقان تناوله للموضوع، وزيادة عمقه وأصالته، وربط نصوص الشريعة بالواقع المعيش، حتى إذا صدرت الخطبة في موعدها المعتاد يوم الأربعاء من كل الأسبوع في صورتها النهائية المركزة المختصرة، يكون الخطيب قد هضم موضوعه وخالطه وعايشه، بما يحقق استيعاب الخطبة النهائية وأداءها على النحو المأمول.
وتهيب وزارة الأوقاف بكل أبنائها إلى التوسع في القراءة الواعية المستوعبة لكل ميادين الحياة واهتماماتها، وامتلاك الثقافة الواسعة التي تعينهم على أداء دورهم الديني الوطني على أكمل وجه.
ولقراءة زاد الأئمة والخطباء.. لـ خطبة الجمعة القادمة :
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قِيمَةُ الإحترام
الْهَدَفُ: التَّوْعِيَةُ بِتَرْسِيخِ قِيمَةِ الِاحْتِرَامِ وَأَثَرِهَا فِي ازْدِهَارِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الْمَائِدَةُ: ٣٢]
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَأَعْطَى، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ وَهَدَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، خَيْرِ مَنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الِاحْتِرَامَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ، وَلَا مَظْهَرًا يُتَصَنَّعُ، بَلْ هُوَ خُلُقٌ عَظِيمٌ يَسْكُنُ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي السُّلُوكِ، وَدَلِيلُ إِنْسَانٍ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُهِنْهَا، وَعَرَفَ حَقَّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَظْلِمْهُ، هُوَ حِفْظُ الْحُدُودِ، وَصِيَانَةُ الْكَرَامَةِ، وَتَوْقِيرُ الْإِنْسَانِ لِلْإِنْسَانِ، قَوْلًا صَادِقًا، وَفِعْلًا مُسْتَقِيمًا، وَسُلُوكًا نَقِيًّا.
وَالِاحْتِرَامُ ثَمْرَةُ إِيمَانٍ حَيٍّ، وَعَلَامَةُ قَلْبٍ سَلِيمٍ؛ قَلْبٍ أَقَامَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَدْلِ، وَرَبَّاهُ عَلَى حُسْنِ الْأَدَبِ، وَطَهَّرَهُ مِنَ الْأَذَى، وَشَرَّفَهُ بِحِفْظِ الْكَرَامَةِ، فَحَيْثُ يَسْكُنُ الْإِيمَانُ، يُولَدُ الِاحْتِرَامُ، وَحَيْثُ يَغِيبُ، تَضِيعُ الْقِيَمُ وَتَنْهَارُ الْمَعَانِي.
وَلَيْسَ الِاحْتِرَامُ فِي مِيزَانِ الْإِسْلَامِ خُلُقًا انْتِقَائِيًّا، وَلَا شَرَفًا يُمْنَحُ لِفِئَةٍ وَيُحْجَبُ عَنْ أُخْرَى، بَلْ هُوَ حَقٌّ عَامٌّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، لِأَنَّ اللَّهَ كَرَّمَهُ بِخَلْقِهِ، بَلْ لِكُلِّ كَائِنٍ فِي هَذَا الْوُجُودِ، لِأَنَّ فِي احْتِرَامِهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ.
وَبِالِاحْتِرَامِ قَامَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَبِغِيَابِهِ تَفَكَّكَتْ، وَبِحُضُورِهِ تُصَانُ الْكَرَامَاتُ، وَتُحْفَظُ الْحُقُوقُ، وَتَسْمُو النُّفُوسُ، وَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ؛ فَهُوَ مِيزَانُ الرُّقِيِّ، وَدَلِيلُ الْإِيمَانِ، وَأَمَانُ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الِانْهِيَارِ.
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَتَأْسِيسُ ثَقَافَةِ الِاحْتِرَامِ
جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِمَنْهَجٍ رَبَّانِيٍّ مُحْكَمٍ، يُؤَسِّسُ لِمُجْتَمَعٍ رَاقٍ فِي أَلْفَاظِهِ، سَامٍ فِي سُلُوكِيَاتِهِ، يَقُومُ عَلَى صِيَانَةِ الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَهْذِيبِ اللِّسَانِ، وَتَقْوِيمِ الْمُعَامَلَةِ، فَسَدَّ كُلَّ بَابٍ يُفْضِي إِلَى الِاحْتِقَارِ أَوِ الْإِيذَاءِ، فَنَهَى عَنِ السُّخْرِيَةِ وَالتَّنَابُزِ وَاللَّمْزِ، لِأَنَّهَا تَهْدِمُ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ تَجْرَحَ الْأَسْمَاعَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ 1 ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 2 ﴾ [الْحُجُرَاتُ: ١١].
“أَيْ: يَا مَنْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ، لَا يَحْتَقِرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَسْتَهْزِئْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ أَنْ تَبْتَعِدُوا عَنْ احْتِقَارِ غَيْرِكُمْ مِنَ الرِّجَالِ، وَعَلَيْكُنَّ يَا جَمَاعَةَ النِّسَاءِ أَنْ تُقْلِعْنَ إِقْلَاعًا تَامًّا عَنِ السُّخْرِيَةِ مِنْ غَيْرِكُنَّ. وَنَكَّرَ سُبْحَانَهُ لَفْظَ {قَوْمٌ} وَ{نِسَاءٌ}، لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمِيعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ السُّخْرِيَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَمِيعِ” [التَّفْسِيرُ الْوَسِيطُ بِتَصَرُّفٍ].
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
وَأَقَامَ الْخِطَابَ الْإِنْسَانِيَّ عَلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَأَمَرَ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ، وَجَعَلَهُ عُنْوَانَ الْإِيمَانِ، وَدَلِيلَ النُّبْلِ، وَجِسْرَ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [الْبَقَرَةُ: ٨٣].
“قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَعْنَاهُ قُولُوا لَهُمُ الطَّيِّبَ مِنَ الْقَوْلِ وَحَاوِرُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّونَ أَنْ تُحَاوَرُوا بِهِ، وَهَذَا حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ” [الْمُحَرَّرُ الْوَجِيزُ].
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَاشُورٍ: “وَجَعَلَ الْإِحْسَانَ لِسَائِرِ النَّاسِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُمْكِنُ مُعَامَلَةُ جَمِيعِ النَّاسِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ عَنِ اعْتِقَادٍ، فَهُمْ إِذَا قَالُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا فَقَدْ أَضْمَرُوا لَهُمْ خَيْرًا وَذَلِكَ أَصْلُ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ” [التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ ١/ ٥٨٣].
ثُمَّ دَعَا إِلَى اللِّينِ فِي الْخِطَابِ، حَتَّى مَعَ الْمُخَالِفِ، لِيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي الْغِلْظَةِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى فَظَاظَةٍ، وَأَنَّ احْتِرَامَ الْإِنْسَانِ لَا يَسْقُطُ بِاخْتِلَافِ الرَّأْيِ أَوْ تَبَايُنِ الْمَوَاقِفِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُۚ﴾ [النَّحْلُ: ١٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الْفُرْقَانُ: ٦٣].
وَفَصَّلَ هَذَا الْقَوْلَ فِي رُدُودِ أَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، فَرَغْمَ الْإِيذَاءِ الَّذِي نَالَهُمْ وَالسَّبِّ وَالِاتِّهَامِ بِالْجُنُونِ وَغَيْرِهِ مَا كَانَ رَدُّهُمْ إِلَّا حَسَنًا، فَقَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْمِهِ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافُ: ٦٠، ٦١].
قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: “وَفِي الْآيَةِ بَيَانُ أَدَبِ الْخَلْقِ فِي حُسْنِ الْجَوَابِ وَالْمُخَاطَبَةِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ جَهْلَهُمْ بِأَحْسَنِ الْجَوَابِ” [بَحْرُ الْعُلُومِ].
الْجَنَابُ النَّبَوِيُّ الْمُعَظَّمُ وَالتَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلِاحْتِرَامِ
لَقَدْ جَسَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلُقَ الِاحْتِرَامِ وَاقِعًا حَيًّا يَرَاهُ الْقَاصِي وَالدَّانِي، وَيَحْتَذِي بِهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، فَلَمْ يَكُنْ خُلُقًا يُتَدَاوَلُ فِي الْأَقْوَالِ، وَلَا مَوْعِظَةً تُلْقَى بِالْأَلْسُنِ، بَلْ كَانَ فِعْلًا نَاطِقًا، وَسُلُوكًا صَادِقًا، وَتَرْجَمَةً عَمَلِيَّةً لِمَا دَعَا إِلَيْهِ وَعَلَّمَ بِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ كَمَالُ الْقَوْلِ وَصِدْقُ الْعَمَلِ، حَتَّى صَارَ خُلُقُهُ رِسَالَةً تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَنُورًا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَنْ ابْتَغَى طَرِيقَ الْكَرَامَةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ.
وَلَمَّا سُئِلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ تُطِلْ وَصْفًا، وَلَمْ تَسْتَكْثِرْ عِبَارَةً، بَلْ لَخَّصَتِ الْكَمَالَ كُلَّهُ فِي كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ، فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]؛ أَيْ: كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، تُرَى آيَاتُهُ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ، وَتُلْمَسُ مَعَانِيهُ فِي رَحْمَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَاحْتِرَامِهِ لِلْإِنْسَانِ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَتْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [الْقَلَمُ: ٤]، لِتُقَرِّرَ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ الْعَظِيمَ لَمْ يَكُنِ ادِّعَاءً وَلَا وَصْفًا نَظَرِيًّا، بَلْ حَقِيقَةً شَهِدَ بِهَا الْوَحْيُ، وَصَدَّقَتْهَا الْمَوَاقِفُ.
وَمِنْ أَبْلَغِ تِلْكَ الْمَوَاقِفِ الَّتِي حَفِظَتْهَا لَنَا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ لِجَنَازَةٍ مَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، أَطْلَقَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ الَّتِي اخْتَصَرَتْ مَعْنَى الِاحْتِرَامِ الْإِنْسَانِيِّ كُلَّهُ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
كَلِمَةٌ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبٍ تَشَرَّبَ الْقُرْآنَ فَصَارَتْ تَشْرِيعًا عَمَلِيًّا، وَدُسْتُورًا خَالِدًا يُعَلِّمُ الْبَشَرِيَّةَ أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَسْقُطُ بِدِينِهِ وَلَا بِانْتِمَائِهِ، وَأَنَّ الِاحْتِرَامَ خُلُقُ النُّبُوَّةِ، وَلِسَانُ الْقُرْآنِ حِينَ يَتَحَوَّلُ سُلُوكًا حَيًّا.
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِبُ أَصْحَابَهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ، وَيُنْزِلُ كُلَّ ذِي قَدْرٍ مَنْزِلَتَهُ، فَمَا كَسَرَ خَاطِرًا، وَلَا جَرَحَ شُعُورًا، وَلَا عَابَ إِنْسَانًا.
وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْ دَاءِ الِاحْتِقَارِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ازْدِرَاءَ النَّاسِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِّ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ” [صَحِيحُ مُسْلِمٍ] ، فَجَعَلَ الِاحْتِرَامَ مِيزَانَ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَامَةَ صِدْقِ الْإِيمَانِ.
مَجَالَاتُ الِاحْتِرَامِ وَأَثَرُهَا فِي ازْدِهَارِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ
١- احْتِرَامُ الذَّاتِ أَصْلُ الْفَضَائِلِ
قَالَ الْإِمَامُ الْمَاوَرْدِيُّ: “إِنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ أَصْلُ الْفَضَائِلِ” [أَدَبُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ]. فَمِنْ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْتَرِمَ ذَاتَهُ، وَأَنْ يَصُونَهَا عَمَّا يَشِينُهَا، فَلَا يَنْزِلَ بِهَا إِلَى أَنْ يُلَامَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، بَلْ يَسْعَى إِلَى عُلُوِّ مَقَامِهَا، وَسُمُوِّ مَنْزِلَتِهَا بِأَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، وَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌۚ﴾ [الْإِسْرَاءُ: ٣٦].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَهَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَهُوَ لَا يَزَالُ عَلَى شِرْكِهِ-، وَقَدْ أَرَادَ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ سُؤَالَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ، مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي، فَصَدَقْتُهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
وَقَالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ: “الْمُرُوءَةُ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنِ الْأَدْنَاسِ، وَعَمَّا يَشِينُهَا عِنْدَ النَّاسِ” [الْمُرُوءَةُ لِابْنِ الْمَرْزُبَانِ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الذَّاتِ:
الْإِيمَانُ بِقِيمَتِكَ وَقُدُرَاتِكَ دُونَ غُرُورٍ أَوْ تَقْلِيلٍ مِنْ شَأْنِكَ.
تَقَبُّلُ نِقَاطِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْعَمَلُ عَلَى تَطْوِيرِ الذَّاتِ.
الِالْتِزَامُ بِالْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ.
تَجَنُّبُ الْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تُسِيءُ لِكَرَامَتِكَ.
الِابْتِعَادُ عَنِ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي تُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِكَ أَوْ تَضْغَطُ عَلَيْكَ سُلُوكِيًّا.
الدِّفَاعُ عَنْ حُقُوقِكَ بِأُسْلُوبٍ هَادِئٍ وَمُهَذَّبٍ.
الِالْتِزَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْوَفَاءُ بِالْوُعُودِ.
٢- احْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَدَبِ وَالِاحْتِرَامِ هُمُ الْأَبُ وَالْأُمُّ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ لِاحْتِرَامِ وَالِدَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاۚ﴾ [الْإِسْرَاءُ: ٢٣].
وَاحْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ لَا يَنْقَطِعُ بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا كَأَنْ تَدْعُوَ لَهُمَا، وَتَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا، وَتَصِلَ رَحِمَهُمَا، وَتَحْتَرِمَ صَدِيقَهُمَا؛ فَهَا هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ»، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: “كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا يَأْكُلُ مَعَ أُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ آكُلَ مَعَهَا فَتَسْبِقَ عَيْنُهَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِهِ فَآكُلَهُ، فَأَكُونَ قَدْ عَقَقْتُهَا” [الْبِرُّ وَالصِّلَةُ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْوَالِدَيْنِ:
مُخَاطَبَتُهُمَا بِأَدَبٍ وَلُطْفٍ، وَخَفْضُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْحَدِيثِ مَعَهُمَا.
تَجَنُّبُ الْجِدَالِ الْقَاسِي أَوِ الرَّدِّ بِأُسْلُوبٍ جَارِحٍ.
اسْتِخْدَامُ عِبَارَاتِ التَّقْدِيرِ وَالشُّكْرِ بِاسْتِمْرَارٍ.
تَنْفِيذُ أَوَامِرِهِمَا بِرُوحِ الرِّضَا لَا التَّذَمُّرِ.
مُسَاعَدَتُهُمَا فِي شُؤُونِ الْمَنْزِلِ وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ.
تَخْصِيصُ وَقْتٍ لِلْجُلُوسِ مَعَهُمَا وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمَا بِاهْتِمَامٍ.
عَدَمُ السُّخْرِيَةِ مِنْ آرَائِهِمَا أَوِ التَّقْلِيلِ مِنْ خِبْرَتِهِمَا.
الدُّعَاءُ لَهُمَا بِالصِّحَّةِ وَطُولِ الْعُمْرِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّصَدُّقُ عَنْهُمَا.
رِعَايَتُهُمَا وَالِاهْتِمَامُ بِهِمَا عِنْدَ التَّقَدُّمِ فِي السِّنِّ.
٣- احْتِرَامُ الْكَبِيرِ
إِنَّ احْتِرَامَ الْكَبِيرِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَعَادَةٌ تَرَبَّيْنَا عَلَيْهَا؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْكَبِيرِ:
مُخَاطَبَتُهُ بِأَدَبٍ وَلُطْفٍ وَاسْتِخْدَامُ أَلْفَاظِ الِاحْتِرَامِ.
الْإِنْصَاتُ لِحَدِيثِهِ بِاهْتِمَامٍ وَعَدَمُ الِاسْتِهْزَاءِ بِآرَائِهِ.
تَقْدِيمُ الْعَوْنِ لَهُ فِي الْمَشْيِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ.
الْوُقُوفُ لَهُ أَوْ إِفْسَاحُ الْمَكَانِ عِنْدَ الْجُلُوسِ.
الْبَدْءُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمُهُ فِي الْحَدِيثِ أَوِ الْمَجَالِسِ.
٤- احْتِرَامُ الْعُلَمَاءِ (أَسَاتِذَتِكَ وَشُيُوخِكَ)
لَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ قَدْرَهُمْ، وَأَمَرَ بِاحْتِرَامِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍۚ﴾ [الْمُجَادَلَةُ: ١١].
وَقَالَ الرَّبِيعُ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ. وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَتَحَدَّثَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَاعْتَرَضَ لَهُ آخَرُ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: “سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ؟ مَا هَذِهِ الْأَحْلَامُ؟ إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَأُرِيهِمْ مِنْ نَفْسِي أَنِّي لَا أُحْسِنُ مِنْهُ شَيْئًا” [الْجَامِعُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَسَاتِذَةِ:
مُخَاطَبَتُهُمْ بِأَلْقَابِهِمُ الْمُنَاسِبَةِ، وَخَفْضُ الصَّوْتِ فِي مَجَالِسِهِمْ.
الْإِنْصَاتُ الْجَيِّدُ عِنْدَ حَدِيثِهِمْ وَعَدَمُ مُقَاطَعَتِهِمْ.
الِالْتِزَامُ بِحُضُورِ الدُّرُوسِ فِي وَقْتِهَا، وَالِاسْتِعْدَادُ الْجَيِّدُ لَهَا.
تَقَبُّلُ التَّصْحِيحِ وَالنَّقْدِ بِرُوحٍ إِيجَابِيَّةٍ دُونَ جِدَالٍ.
٥- احْتِرَامُ الْجَارِ
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ… وَجَاوِرْ مَنْ جَاوَرْتَ بِإِحْسَانٍ تَكُنْ مُسْلِمًا…». وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: «إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إِنَّكَ مُحْسِنٌ فَأَنْتَ مُحْسِنٌ، وَإِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إِنَّكَ مُسِيءٌ فَإِنَّكَ مُسِيءٌ» [مُسْنَدُ الْبَزَّارِ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْجَارِ:
إِلْقَاءُ السَّلَامِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالِابْتِسَامَةُ فِي وَجْهِهِ.
تَجَنُّبُ إِزْعَاجِ الْجَارِ بِالضَّوْضَاءِ الْمُرْتَفِعَةِ، خَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ.
الْحِرْصُ عَلَى عَدَمِ رَمْيِ الْقُمَامَةِ قُرْبَ مَنْزِلِهِ.
احْتِرَامُ خُصُوصِيَّتِهِ وَعَدَمُ التَّجَسُّسِ عَلَيْهِ.
مُشَارَكَةُ الْجَارِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ السَّعِيدَةِ وَمُوَاسَاتُهُ فِي الْأَحْزَانِ.
٦- احْتِرَامُ الْأَكْوَانِ
لَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ فَقَطْ، بَلْ شَمَلَ حُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْۚ﴾ [الْإِسْرَاءُ: ٤٤]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ… فَقَالَ ﷺ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَاكَ إِلَيَّ وَزَعَمَ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْأَكْوَانِ:
عَدَمُ إِيذَاءِ أَيِّ كَائِنٍ حَيٍّ دُونَ سَبَبٍ، وَالرِّفْقُ بِالْحَيَوَانَاتِ.
الْعِنَايَةُ بِالنَّبَاتَاتِ وَعَدَمُ إِتْلَافِهَا عَبَثًا.
الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ وَالْأَدَوَاتِ.
عَدَمُ رَمْيِ النُّفَايَاتِ فِي الطَّبِيعَةِ.
تَرْشِيدُ اسْتِهْلَاكِ الْمَاءِ وَالْكَهْرُبَاءِ.
٧- احْتِرَامُ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ
نَهَى الْإِسْلَامُ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْخَلْقِ؛ فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِاحْتِرَامِ الْخُصُوصِيَّةِ:
تَجَنُّبُ السُّؤَالِ عَنِ الْأُمُورِ الشَّخْصِيَّةِ.
عَدَمُ إِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ.
عَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى هَوَاتِفِ الْآخَرِينَ دُونَ إِذْنٍ.
طَلَبُ الْإِذْنِ قَبْلَ اسْتِخْدَامِ مُتَعَلَّقَاتِ الْآخَرِينَ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْأَدَبِ مَعَ الْخَلْقِ، وَأَنْ يُجَمِّلَنَا بِسِتْرِهِ، وَأَنْ يَشْمَلَنَا بِعَفْوِهِ إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ آمِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الْمَائِدَةُ: ٣٢]
إِنَّ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ إِجْرَاءٌ طِبِّيٌّ تَطَوُّعِيٌّ، يُسَاهِمُ فِي إِنْقَاذِ مَلَايِينِ الْأَرْوَاحِ كُلَّ عَامٍ؛ فَنَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَثْنَاءَ الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ، أَوِ الْحَوَادِثِ، أَوْ حَالَاتِ الْوِلَادَةِ.
التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ صَدَقَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَزَكَاةٌ عَنْ صِحَّتِكَ: كَمَا أَنَّ هُنَاكَ زَكَاةً عَنِ الْمَالِ، فَهُنَاكَ زَكَاةٌ عَنِ الْجَسَدِ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَكُلُّ نُقْطَةِ دَمٍ قَدْ تُنْقِذُ حَيَاةَ إِنْسَانٍ، فَاجْعَلِ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ مَشْرُوعَ زَكَاةٍ ثَابِتٍ فِي حَيَاتِكَ.
فَوَائِدُ صِحِّيَّةٌ لِلْمُتَبَرِّعِ:
زِيَادَةُ نَشَاطِ نُخَاعِ الْعَظْمِ لِإِنْتَاجِ خَلَايَا دَمٍ جَدِيدَةٍ.
زِيَادَةُ نَشَاطِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ.
تَقْلِيلُ نِسْبَةِ الْحَدِيدِ فِي الدَّمِ، مِمَّا يَقِي مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ.
أَثْبَتَتِ الدِّرَاسَاتُ الْحَدِيثَةُ أَنَّ الَّذِينَ يَتَبَرَّعُونَ بِدَمِهِمْ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْأَقَلِّ كُلَّ سَنَةٍ هُمْ أَقَلُّ عُرْضَةً لِلْإِصَابَةِ بِأَمْرَاضِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَسَرَطَانِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِهِمْ. نَاهِيكَ عَنْ دَوْرِ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ فِي تَقْلِيلِ التَّوَتُّرِ وَالْقَلَقِ وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْمَشَاعِرِ السَّلْبِيَّةِ. فَلَيْسَ التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ مُجَرَّدَ إِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ فَقَطْ، بَلْ صِيَانَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ إِصَابَاتٍ خَطِيرَةٍ.
التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ رَمْزٌ حَيٌّ لِلتَّكَافُلِ الْإِنْسَانِيِّ إِذْ تَصِلُ تَبَرُّعَاتُكَ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ فَتَسُدُّ حَاجَاتِهِمْ، وَتُقَوِّي أَوَاصِرَ الْمُجْتَمَعِ وَتَجْعَلُهُ أَكْثَرَ تَلَاحُمًا وَرَحْمَةً. تَخَيَّلْ نَفْسَكَ لَحْظَةً مُحْتَاجًا لِنُقْطَةِ دَمٍ، كَيْفَ سَيَكُونُ شُعُورُكَ؟! ضَعْ هَذَا الْمَعْنَى أَمَامَ عَيْنَيْكَ دَائِمًا، وَتَذَكَّرْ قَوْلَ سَيِّدِنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [صحيح البخاري].
فَالتَّبَرُّعُ بِالدَّمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَطَاءٍ، بَلْ تَجْسِيدٌ حَيٌّ لِلْمَحَبَّةِ وَالْأُخُوَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَفُرْصَةٌ لِتَعِيشَ قِيمَةَ الْإِيثَارِ فِي أَسْمَى صُوَرِهَا.
مَرَاجِعُ لِلِاسْتِزَادَةِ:
مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، لِلطَّبَرَانِيِّ.
أَدَبُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، لِلْمَاوَرْدِيِّ.
أَخْلَاقُنَا، لِلْأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد رَبِيع جَوْهَرِي.
_____________________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف










